http://www.veecos.net // تفضّلت المكتبة الوطنية الجزائرية مشكورة بتبنّي مشروع حضاري كبير، بدأت في تنفيذه. يتمثّل في التّعريف بأعلام الجزائر الأقطاب العاملين، الذين أسهموا في النّهضة الجزائرية الحديثة؛ سعيًا منها في تعريف الخلف بأعمال السّلف، وربط الأجيال بتاريخ الأبطال، ليكونوا نعم الأبدال، وتوثيقًا للصّلات بالأصول، وبعثًا للحماسة في المحافظة على المكتسبات، والعمل على الإضافة إلى المنجزات...
إنّ هذا العمل، أو هذا المجهود مهمّ وضروري في هذا الوقت بخاصّة، إذ بات التّنكّر للأمجاد، والتّنصّل من إرث الأجداد تقليعة العصر، ومؤامرة الزمن المغبرّ. وبدأ الفتور يدبّ في النّفوس حول الانتماء والارتباط بالأصول. كما أنّ ساستنا وقائدينا وموجّهينا في حاجة ماسّة إلى الإفادة من تجارب السّابقين في طريقة التّعامل مع الشّباب: إعدادًا وتوجيهًا، ورعاية واحتضانًا، ومراقبة واستثمارَ طاقات...فبورك في القائمين على المكتبة الوطنية، وعلى السّاهرين على تنفيذ هذا المشروع الحضاري التّربوي، الذي ينهج سياسة إعادة بناء الفرد الجزائري على أسس حضارية متينة؛ ليتخطّى عقبات الأزمات النّفسية والاجتماعية، التي أبعدته عن ميادين العمل المؤسَّس، ونأت به بعيدًا عن بيئته الحقيقية، وصوّحت به في الأراضي النّائية عن منبته.
كان اللّقاء الأوّل في شهر جوان الماضي مع المجاهد والمؤرّخ والمحقّق الجزائري الكبير الشّيخ مهدي البوعبدلّي. وفي شهر جويلية مع العالم الكبير المصلح المربّي الدّاعية الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض. حضر الملتقى الثّاني مجموعة من الشّخصيات الكبيرة: وزراء وعلماء ومشائخ ودكاترة وأساتذة. إلى جانب جمهور غفير: فيهم الطّلبة والتّجار والمناصرون للعلماء، ومحبّو المعرفة والعلم. فكان يومًا مشهودًا في أيّام الجزائر الخالدة المعدودة.
حضر الوفاء والتّقدير والإنصاف، ونطقت الشّهادات، فسجّلت مواقف الشّيخ الكبيرة، وظهرت الرّغبة الأكيدة في تثمين جهود الرّجال العاملين، وبرز الإصرار على الإفادة من تجارب الماضين، الذين قدّموا للنّاس زهرة عمرهم في خدمة الدّين والوطن، وأسهموا بعصارة جهودهم في النّهوض بالمجتمع نحو المستقبل الزّاهر، والغد الموعود. والوصول به إلى الغاية الكبرى وهي رضوان الله تعالى، ثمّ الجنّة بعدها إن شاء الله.
اجتهد المحاضرون والمتدخّلون في تقديم صورة حقيقية عن شخصية الإمام الشّيخ بيّوض, والتّعريف بالمجالات التي خاضها، والميادين التي صال فيها وجال..وحاولوا جهدهم إطلاع الشّباب على أهمّ الخصائص والمميّزات التي تميّز بها الإمام. واعترفوا أنّ الشّيخَ أكبرُ من أن تستنطق شخصيتَه هذه اللّحظات القصيرة، وهذه الشّذرات القليلة. لكن ليس المهمّ هو سرد المناقب، وذكر الفضائل، وعرض الخصائص... بقدر ما يهمّ التّركيز على منهجية استرفاد التّجربة، واستلهام السّيرة في شقّ طريق الحاضر، واستشراف دروب المستقبل. المهمّ في أمثال هذه النّدوات – في الدّرجة الأولى – هو معرفة كيفية استثمار المواقف والمشاهد والتّوجيهات في تصحيح وضع، وإصلاح فاسد، وتثمين مجهود، والخروج من دائرة التّخلّف والتّردّي والرّداءة والرّدّة...هذا ما سلّط المحاضرون عليه الأضواء، ووجّهوا إليه الأبناء، وحسّسوا به الكبراء.
1 – بيّن المتدخّلون أنّ الشّيخ بيّوض كان متعدّد النّشاط، عمل في ميادين مختلفة، وجاهد في جبهات كثيرة. شملت مجالات: الدّعوة والتّربية والاجتماع والسّياسة والاقتصاد وغيرها...بالنّسبة للنّشاط الوطني، شارك في عملية بناء الفرد الجزائري دينيًا وتربويًا واجتماعيًا...وأسهم في الحركة الوطنية، وخاض المعارك السّياسية، وتعمّق في العمل الثّوري، لم يتخلّف عن بناء جزائر الاستقلال...عمل في كلّ هده القطاعات وغيرها، شأن العالم العامل، الذي يؤمن بشمولية العمل الدّعوي والإصلاحي والوطني والإسلامي، وطبيعة الرّجل الكبير، الذي تنهض به مواهبه ومؤهّلاته وطموحه، وإرادته وإخلاصه ووعيه لمسؤوليته...كي يتحرّك في كلّ اتّجاه، وينشط في كلّ مجال، ويندمج في المجتمع، وينغمس فيه ليعرف حاجاته، ويتعرّف على اهتماماته وهمومه، فينشغل بها؛ ما دام عمله كلّه متّجهًا أوموجّهًا إلى خدمة المجتمع والقيام به من كبوته وعثرته. قال الشّيخ بيّوض: " ...ولم يكن عملي خاصًّا بميدان العلم، ولكن يتناول جميع نواحي الأمّة، وظيفتي غسل العار عن الأمّة، وتطهيرها من أدناسها، بشباب صالح مثقّف بالثّقافة الصّحيحة، أكفاء لكلّ ما يسند إليهم. ".
2 – سجّلوا له الأصالة في التّفكير، والتّخطيط والتّدبير، والتّنفيذ والتّسيير. بمعنى إنّه كان يتوخّى الأصول والمنابع الحقيقية في عمله. كتاب الله وسنّة رسوله عليه الصّلاة والسّلام. وسيرة السّلف الصّالح، ما كانت غير مخالفة للشّرع، ويعتمد ما يَنْبُتُ من البيئة التي ينتمي إليها، محلّيًا ووطنيًا وإقليميًا، ولا ينظر إلى ما يكون مُنْبًَتًّا عنها. من دون أن يكون متقوقعًا على نفسه، ومقيّدًا إرادته بالمحيط الذي يتحرّك فيه، إذا كانت هناك تجارب، يمكن الإفادة منها، لا تسبّب انحرافًا عن سواء الصّراط، ولا تفضي إلى الخروج عن القيم والمبادئ التي تحكم محتمعه. فهو صاحب أصالة في الفكر، وتفتّح على آراء الآخرين وتجاربهم، مهما يكن مصدرها وطبيعتها.
3 – ذكروا له تمسّكه بوحدة الصّفّ، واتّحاد الكلمة، ونبذ التّعصّب المذهبي، ومقت التّقوقع والانغلاق. فهو يتجنّب كلّ ما يفرز فرقةً، أو يسبّب شقاقًا، أو يهدّد وحدةً. ولو كانت فيه مصلحة شخصية. وقف ضدّ سياسة التفرقة العنصرية، بسبب العرق والجنس، وبسبب المذهبية، وبسبب اللّغة وغيرها... هذا التّوجّه، وهذا الفكر، هو الذي نحتاجه اليوم، ونحن نعيش أزمات وكوارث، تهدّد الوحدة الوطنية، وتشين العلاقات. بتصرّفات غير مسؤولة؛ نتيجة عدم تقدير المواقف، وميزان الخطوات بميزان العقل، ونتيجة الاستجابة للعواطف غير المهذّبة. مبعثها التّعصّب للّغة، أو للمذهب، أو للانتماء، أو للمصالح الخاصّة...
4 – قدّروا له توخّيه المنهج السّليم في الإعداد والتّكوين، بتبنّيه استراتيجية التّربية والتّعليم قاعدة صلبة في العمل والنّشاط، والمبتدأ والمنتهى في عملية البناء. وتركيزه على الشّباب نقطة ارتكاز في عمله الأساسي: إعدادًا وتوجيهًا ودفعًا بهم إلى ميادين العمل، ومنحهم فرص المشاركة بقوّة في المجتمعات التي يكونون فيها، والمحيطات التي يتحرّكون فيها. قال الشّيخ بيّوض: " أريد من كلّ واحد منكم أن يكون له أثرٌ في المركز الذي يوجد فيه، لا أريد أبدًا أن يكون كميّة مهملة، تمرّ "الشّهور والأعوام، ولا يحسّ له صوتٌ، ولا يظهر له عملٌ.". "
5 – ثمّنوا علاقاته الطّيّبة مع العلماء في العالم الإسلامي، الذين ينشطون في حقول المعرفة والدّعوة والعلم. هذه العلاقات مهمّة، تدلّ على المكانة الجيّدة والمرموقة التي يتمتّع بها الشّيخ بيّوض، وتدلّ أيضًا على منهج سديد في العمل، الذي يتوخّى ربط العلائق بمن هو في الميدان، للتّعارف والتّعاون والتّكاثف والتّشاور، وضمّ الجهود إلى بعضها، وتبادل الخبرات والتّجارب...
6 – الشّمولية التي يتمتّع بها في التّفكير، والعمق في النّظر، والبعد في استشراف المستقبل، ورحابة الصّدر في استقبال ما عند الآخر، ووعيه لرسالته؛ بصفته مسلمًا ملتزمًا أوّلا، وعالمًا داعية ثانيًا، وزعيمًا واعيًا ثالثًا، ومعلّمًا مربيًّا رابعًا، هذه المواصفات جعلته يعي مسؤوليته في الدّعوة إلى الإفادة من كلّ ما يعين على تطوير المعارف، ويساعد الإسلام أن يظلّ قويًّا مفيدًا هاديًا للبشرية، بما يقتضيه كلّ زمان وظرف. لهذا كان يحارب الخمود والجمود، والأفن في الرّأى، والقعود عن الإفادة من الجديد ينزل إلى الميدان، والتّقاعس عن الأخذ والتّزوّد من العلوم مهما يكن نوعها. إذا كان ذلك لا يمسّ الأصالة، ولا يضرّ بالثّوابت. هذا ما ساعده على الإسهام في تطوير أساليب الحياة، والتّجديد في الفقه، وتقديم الوجه الحقيقي للإسلام. وبذلك حرّر أبناء الإسلام من العقد النّفسية، التي ركبتهم وتركبهم بسبب وصم الإسلام بالتّخلّف والتّأخّر وعدم ملاءمته لروح العصر...التي تسبّب فيه من أساء إلى تقديم الإسلام، أو تمثيله في الحياة العامّة.
يحمد الشّيخ بيّوض غبّ سراه، ويشكر الله على ما إليه هداه، وأنّه بلغ ببنائه ذراه، وكوّن لوطنه الجزائر شبابًا وافخراه، في بدايه استقلاله عن عداه: "...هم ذخيرتنا وفخرنا، وحجّتنا أمام الله وضمير التّاريخ، بأنّنا أعددناهم للجهاد الأكبر في بناء وطننا "المفدّى، فيصبحوا جنودًا، يمتازون بحسن أخلاقهم، وقوّة إيمانهم، ويتمتّعون بكلّ مقوّمات النّصر في معركة البناء والتّشييد. ولقد دفعنا بهم مزوّدين بصالح الدّعاء، ومغمورين باليمن والبركة، ليرابطوا في أشدّ الثّغور حساسية، وأدعاها للتّنقية والاختبار، في قطاع التّربية الوطنية، فكانوا - بفضل الله – القدوة الحسنة في إخلاص العمل، وطيب المعشر، وثقة الأولياء والتّلاميذ، وتقدير المسؤولين..."."
لقد نجح الملتقى في تحسيس الشّباب بضرورة الإفادة من أفكار العلماء العاملين، ووجوب الاطّلاع على تجاربهم وخبراتهم؛ لمعالجة كثير من القضايا الرّاهنة، وبخاصّة ما يتعلّق بالانتماء والهوية والعمل المؤسّس على قواعد صلبة صحيحة، تربط بين الأصول والأهداف، وتراعى خصوصية البيئة التي تطبّق فيها المشروعات والمخطّطات، مع تطعيم الحركة والنّشاط بما يستجدّ من أفكار ومناهج، تساعد على التّطوير والتّجديد. وهو ما كان يقوم به الشيخ بيّوض وأمثاله من المصلحين المخلصين عملهم لله. لهذا دعا المتدخّلون إلى إدراج أفكار الشّيخ بيّوض الأصيلة في المناهج التّربوية، والبرامج الثّقافية. رحم الله شيخنا، وجزى القائمين على هذه المشروعات الحضارية البنائية المهمّة.
http://www.ss-office.org/ar/index.php?option=com_content&task=view&id=1402&Itemid=64
كتبها د.محمد ناصر بوحجام في 05:30 مساءً ::
السلام عليكم ، شكرا فضيلة الدكتور على الإدراج ،لقد قيل الكثير وعقد العديد من الملتقيات حول فكر الشيخ بيوض ومع هذا لم يستطع أحد أن يوفيه حقه ..لقد كان بحق مجاهدا عظيما ومصلحا ومربيا
يكفيه فخرا انه اخرج أهل الجزائر في زمنه من الجهل ويكفيه فخرا - ولا نزكي احدا على الله - انه بكلمة واحدة اخمد نار الفتنة في وارجلان بداية الستينات والآن لاأحد استطاع أن يخمد فتنة بريا رغم كثرة الأصوات مع العلم ان فتنة وارجلان كانت أكثر عنفا وبشاعة من الثانية
على كل ...رحم الله الشيخ بيوض وكل المشائخ والعلماء
" رجال صدقوا ما عاهدو الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً "
تحياتنا دكتور
الاسم: د.محمد ناصر بوحجام
