ما يزال الشّك يراود كثيرًا ممّن فقدوا الثّقة في نزاهة الغرب في سلوكه وتحرّكانه ومخطّطاته… أنّه يسعى إلى تأجيج الصّراع، تحت غطاء الحوار. يرى بعض الدّارسين أنّ هناك أفكارًا أو نظريات أسّست للصّراع بين الحضارات، بدل تبنّي مسلك الحوار، نظريات أنتجها مفكّرون كبار، فكان ذلك حجّة ومبرّرًا لتأجيج الصّراع بين الثّقافات. بقول محمد عمارة: " لقد ساعدت هذه النّظريات الثّلاث(الهيجلية، والدّاروينية، والصّراع الطّبقي) التي صبغت هوية الحضارة الغربية، بصبغة الفلسفة الصّراعية على إماتة الضّمير الغربي، إبّان صراعه، مع الحضارات غير الغربية. فبما أنّه هو الأقوى، فهو إذن الأصلح، ولذاك فإنّ صراعه ضدّ الحضارات الضّعيفة، والبنى الموروثة للأمم المستضعفة، هو قانون علميّ، وهو رسالة نبيلة يقوم بها هذا الرّجل الأبيض لإزالة الماضي والمواريث والمؤسّسات الضّعيفة، وإحلال النّموذج الحضاري الغربي القويّ والأقوى في العالم كلّه عبر التّطبيقات المتنوّعة لفلسفة الصّراع. " ( )
يكاد يكون هذا الرّأي هو ما أجمع عليه من درس الحضارة الغربية، ومن تتبّع مسيرتها، ورصد حركاتها في الميدان، فتكوّنت له قناعة كاملة أنّ الحوار بينها وبين الحضارات الأخرى والثّقافات الأخرى ليس إلاّ صراعًا، يهدف إلى صرع الآخر ومحو آثاره من الوجود، والسّيطرة عليه. يقول إبراهيم محمود عبد الباقي: " ففكرة الصّراع الحضاري، أو التّحدّي الحضاري، أو صراع البقاء للأقوى، أو الصّراع الطّبقي هي الأساس الذي تقوم عليه تلك الحضارة (الغربية). والصّراع هنا لا يعني إلاّ محاولة إلغاء الآخر بشتّى الأساليب والوسائل، والطّبيعة العدوانية لهذه الحضارة، يجعلها تنظر للآخرين نظرة دونية، وتحاول أن تصرعهم وتتغلّب عليهم." ( )
يحمل النّصّ وصفًا سلبيًا للحضارة الغربية، وهو ما يدعو إلى التّشاؤم من إجراء أيّ حوار معها؛ قصد التّعارف والتّعايش. فهي أصلا لا تفتح بابًا للحوار. فعبارات النّصّ ركّزت على (الصّراع الحضاري، التّحدّي الحضاري، صراع البقاء للأقوى، الصّراع الطبقى). وكلماتها حدّدت الأهداف المنشودة ( محاولة إلغاء الآخر، الطّبيعة العدوانية، نظرة الدّونية للآخرين، تحاول أن تصرعهم وتتغلّب عليهم).
كان هاجس المسيحيّين هو كيفية مقاومة المدّ الإسلامي، بل الخطر الإسلامي على العقيدة المسيحية، فرأوا أنّ عليهم أن يعملوا على تأمين عقيدتهم من الإسلام المرعب المرهب، حسب ما يقولون. فقال بعضهم بوجوب التّعامل مع المسلمين كما تمّ التّعامل مع البرابرة الأوروبيّين، من قبلُ، أي بتنصيرهم ( ) ولكن لا يتمّ هذا بالسّيف، إنّما بالحجّة والإقناع، أي عن طريق الحوار. وقد نادى بهذا الرّأي "بطرس المبجل Peter the Venerable (1059 – 1156م). " اعتقد بطرس أنّ الصّراع مع الإسلام ضرورة حتمية، ولكن ليس بالسّيف، وإنّما بالحجّة والإقناع، وقد اعتبر المسلمين هراطقة، وبالإمكان إعادتهم إلى حظيرة الكنيسة. وقد حاول تطبيق ذلك بتوجيه رسالة إلى العرب المسلمين. ( )
إنّ الحوار الذي يراد فتحه موجّهٌ إلى غاية محدّدة، هو إرجاع المسلمين المنسلخين من العقيدة الصّحيحة، التي جاءت بها النّصرانية إلى حظيرة هذه الدّيانة الأصلية. أكيد أنّ فشل المحاولات في الوصول إلى المراد بالحجّة والإقناع، وبالحوار، سيحوّل الأمر إلى مواجهة وصراع. إذن فحضارة بهذه المواصفات، كيف يمكن أن يفتح معها حوار؟ وكيف ينتظر منها تلاقٍ أو تعارف؟ فضلا عن التّعايش؟
كما أنّ الشّكوك التي تطغى على أفكار الغربيّين، على أنّ العرب والمسلمين يمثّلون صورة غير حسنة، بل قبيحة، هي كلّها عدائية وعدوانية وكراهية للغرب لا تسمح بإجراء حوار نزيه وجادّ ومثمر، إلاّ إذا تغيّرت هذه الصّورة، بتعاون الطّرفين.
عقدت ما بين السّابع والتّاسع من شهر يونيو سنة 1998م في بريطانيا، ندوة لدراسة صورة العرب كما يراها الغرب. " انطلق الحوار الذي دار في النّدوة من نقاط محدّدة وفرضيات معيّنة، كان من أهمّها:
1 – لا زال الرّأي العام الغربي ينظر إلى العالم العربي بالشّكّ وعدم الثّقة، كما تكشف عنها الأحداث الخالية.
2 – يتخيّل الأوروبيّون والأمريكيّون الشّرقَ الأوسط على أنّه منطقة مخيفة، يسودها الإرهاب، ويعمّها الاستبداد، وتنتشر



























