إنّ اللّيالي حُبالى يلدن كلّ عجيب، وإنَّ الدّهر أمّ العجائب يسفر عن كلّ غريب، هذا ما حدث بالأمس القريب. مباراة في كرة القدم تصنع العجب بين مواطني بلدين شقيقين, الجزائر ومصر. أنا لا أدخل في تفاصيل الأجداث، ولا في تقدير حجم مسؤولية كلّ طرف في تسيير الأحداث، وتصعيد المواقف، ولا أتدخّل في تقويم دور كلّ جانب في تمديد أمد هذه الأحداث…إنّما أريد أن أقف وقفة تأمّل فيما يهمّ إخواننا وأبناءَنا الجزائريّين، وما يجب أنْ نأخذه من دروس وعبر فيما حدث.
الجوانب الإيجابية في الحدث الكروي
1 – بيّن حقيقة الجزائري الذي يثور حين تمسّ شخصته، ويثأر حين تداس كرامته. ويَهبّ حين يشعر بالظّلم…فينتفض لِيَرُدَّ الاعتبار والهيبة لنفسه، وينذر كلّ من تحدّثه نفسه الولوغ في عرضه، ومن يتجرّأ على الاقتراب من حوضه. يتمثّل في هذا الموقف قول عنترة العبسي:
أَثْنِي َعَلَيَّ بِمَا عَلِمْتِ فَإِنَّنِـــي سَمْحٌ مُخَالَقَتِي إِذَا لَمْ أُظْلَــــمِ
وَإِذَا ظُلِمْتُ فَإنَّ ظُلْمِيَ بَاسِــلٌ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ كَطَعْمِ العَلْقَـــــمِ
2 – وحّد بين أبناء الوطن، كما هي العادة في المحن، رصّ صفوفهم، وجَمَع مشاعرهم، وألّف منهم كيانًا واحدًا، يتّجه اتّجاهًا واحِدًا، هو العمل بكلّ الوسائل والطّرق لمناصرة الفريق الوطني، الذي أهين في أرض الكنانة، وإعانته على تخطّي محنته، بإخراجه من أجواء الصّدمة النّفسية التي عاشها في أثناء أداء مباراته في القاهرة، والحطّ به في أجواء الأمل والسّلام، لإجراء المقابلة الفاصلة في الخرطوم. فتحرّكت الدّولة، وتبرّع المحسنون بالأموال السّخية، وتهاطل الجمهور يبحث عن أيّ سبيل توصله إلى السّودان الشّقيق، ويصعد مدرّجات ملعب المرّيخ بأمّ درمان، وتجنّد الإعلام يحمّس الشّعب، وجادت قرائح الشّعراء بالأناشيد المعبّرة، المغيّرة من أجواء الحزن والحسرة لما حدث لشعب أرض المليون ونصف شهيد، الذي تطاول على رموزه المتطاولون، وتفنّن الفنّانون في إبداع الأغاني المسجّلة لبطولة محاربي الصّحراء، وأبطال نوفمبر 2009، وربطوا بطولتهم وشجاعتهم وشهامتهم بما قام به أسلافهم من أسود نوفمبر 1954م، فكان لهذا الرّبط دلالاته النّفسية والتاّريخية والمستقبلية.
3 – كشف عن خبايا نفس الجزائري، الذي يبقى دائمًا مرتبطًا بدينه ومقوّماته وأصالته، رغم ظهور بعض الجنوح عنها في بعض مواقفه، وفي بعض محطّات حياته. هذا الحدث جعل الجزائري: مسؤولا ولاعبًا ومناصرًا، يرجع إلى ربّه، ينسب إليه النّصر المؤزّر على الفراعنة، ويردّ إليه الفضل في إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل. بل كان الكلّ يلتجئ إلى الدّعاء إلى الله كي ينصر الكرة الجزائرية، ويصل بها إلى برّ الأمان، في أمّ درمان، وبرّ جنوب إفريقيا، بعد أن ضمنت مكانًا في أنغولا, وكان القرآن حاضرًا في يوميات اللاّعبين بخاصّة - حسب الرّوايات والشّهادات – . من الآيات القرآنية التي سمعناها من أفواه اللاّعبين، بعد انتهاء مباراة الحسم والعزم، ورفع الضّيم قوله تعالى: …وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المومنونَ بنَصْرِ الله بَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وهو العزيز الرّحيم (الرّوم/5). لقد كان الاختيار موفّقًا، إذ الآية سجّلت وعد الله بانتصار الرّوم على الفرس، بعد أن انهزمت أمامها. فالجزائر كان قد خبّئ لها النّصر في السّودان، بعد ما ضاع منها في مصر. فاختيار الآية توفيق من الله لإحقاق الحقّ وإبطال الباطل.
إنّ هذا التّوجّه نصر لنفس الجزائري، الذي يجعله محلّ تقدير أصحاب الفضل، وهو في الوقت نفسه مؤشٍّر على العودة إلى صراط الله المستقيم، وإلى سواء السّبيل القويم، بمشيئة الله القدير العليم.
4 – أعاد اللّحمة بين الشّباب وتاريخه، وبخاصّة التّاريخ القريب، ملحمة ثورة نوفمبر الخالدة، التي حرّرت بلده من نير الاستعمار، نرجو أن يكون هذا منطبقًا على بقية حلقات التّاريخ الأخرى من تاريخه الإسلامي والوطني. فقد لاحظنا الالتفاف حول رمز الوطن وهو العلم الوطني، بشكلٍ لم يسبق له مثيل، في خرجات الشّباب بخاصّة، إلاّ ما كان في السّنوات الأولى من استقلال الجزائر. فكانت الرّايات ترفرف في كلّ مكان، وتلتصق بكلّ جسم، وتتدلّى من كلّ بناية، وتظهر بأشكال متنوّعة، وبأحجام متعدّدة، تعبّر عن العلاقة الحميمية بين الرّمز وما يسكن القلب من الحبّ الدّافئ، والودّ الدّافق. وسمعنا أناشيد بكلمات جديدة، تحمل سمات الحدث الكروي الآني، وبألحانٍ لأناشيد تتحدّث عن الثّورة التّحريرية المظفّرة، للقارئ أن يتأمّل في الموقف، ويعدّد النّتائج التي يراها مناسبة. فكان شهر نوفمبر شهر البطولات، إذ أضاف لاعبو إلى الفريق الوطني، المنتصر في هذا الشّهر ملحمة أخرى إلى ملاحم الشّعب الجزائري، فردّدوا مع مفدي زكرياء:
نُفَمْبَرُ جلّ جلالُكَ فينــــا ألستًَ الذي بثَّ فينا اليقينــــا
5 – تحوّل التّعلّق بنجوم الكرة العالمية كليّة، إلى فسح مجال للنّظر إلى نجوم الكرة الجزائرية بعين الإكبار والتّقدير. وفي ذلك استرجاع للثّقة في النّفس، والتّخلّص من عقدة التّفوّق الأجنبي غير المحدود. نرجو أن ينتقل هذا أيضًا إلى ألطال الإسلام والوطن والعلم والثّقافة وأصحاب القيم والأصول.
6 – عدم حسم التّأهّل في القاهرة، أتاح للشّعب الجزائري أن يرتاد أرض المغاوير وأصحاب الشّهامة، وأهل الأصول والكرم، بلاد السّودان الأشمّ، وموطن الشّمم والقيم..فيكون هذا فرصة للشّعب الجزائري لكي يوطّد علاقاته الإسلامية العربية الأخوية مع الشّعب السّوداني، التي نرجو أن تُثْمر ثمارًا يانعة في المجال العلمي والثّقافي والحضاري، بما يخدم الدّين واللّغة والحياة العامّة والمستقبل، ويقف جدارًا حاجزًا، وسدًّا منيعًا أمام كلّ مخطّطات التّدمير، ومشروعات التّذويب، ومؤامرات التّدليل والتّرهيب، ومسلسلات التّشويه والتّزييف…
مادا بعد هذا الحدث الكروي؟؟
كلّ ما ذكرناه سابقًا إيجابيات، نحمد الله عليها، نحاول المحافظة عليها، ونجتهد في إضافة مكاسب أخرى إليها، فنجعل من الرّياضة مجالا للصّلاح والأرباح والنّجاح والفلاح، وبذلك ت



























